النظرية الكلاسيكية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النظرية الكلاسيكية

مُساهمة من طرف Admin في السبت ديسمبر 06, 2008 11:38 pm

النظريات الكلاسيكية
الفكر السياسي الإغريقي وفكرة الاكتفاء الذاتي
يميل بعض علماء السياسة إلى إبراز المساهمات الفكرية السابقة على الحضارة الإغريقية مثل إسهامات حضارات بلاد الرافدين وحضارات الصين والهند ومصر القديمة ومع أننا لا ننكر ما تضمنه التراث الإنساني من إسهامات فكرية سابقة على حضارة الإغريق إلا أن الحضارة الإغريقية تميزت عن غيرها من الحضارات السابقة بعدد من المزايا الهامة ومنها:
1- تعدد دول المدينة الإغريقية مع انتمائها لمركب حضاري واحد مما جعل من الممكن الربط بين الجانب الفكري والوجود الحضاري.
2- تطوير الإغريق للغة مكتوبة استطاعت حفظ التراث الإغريقي حتى الآن.
3- أن الإغريق كانوا أول من قرر حق المواطنة الذي يعتبر أساسا مهما للحكم.
4- تأكيد الإغريق على مبدأ الاكتفاء الذاتي لدول المدينة التي أقاموها.
وهذا ما حدا بمعظم الباحثين إلى التقرير بأن الفكر السياسي يبدأ مع الفلسفة الإغريقية. وقد حاول الفكر السياسي الإغريقي في معظمه رسم إطار سياسي لحكومة تستهدف إقامة دولة فاضلة تتوزع فيها الأعمال ويشارك جميع المواطنين في إنشائها بحيث تقوم على العدل وتنشد المساواة.
ويزعم البعض بأن أفلاطون هو واضع علم السياسة، فكتابه "الجمهورية" من بين أشياء أخرى قدم وصفاً لنظام سياسي مثالي إلا أن تفسيره كان تأملياً إلى حد كبير، كما انتهى الأمر بنظامه المثالي إلى أن يكون مماثلاً تقريباً للفاشية الحديثة أو الشيوعية. ففي كتاب "الجمهورية" يشير أفلاطون إلى أن الهدف الأسمى للدولة يتمثل في العدالة وأن أفضل أشكال الحكومات هو ذلك الذي يحاول تحقيق العدالة التي هي نابعة من الطبيعة. ولذا يفسر أفلاطون ذلك بقوله أن إتباعك أو انقيادك لطبيعتك يعني أنك صادق تجاه نفسك. أنها فعل ما هو طبيعي، أمين، وصحيح بالنسبة لك أنها انقياد لفطرتك وهدفك الطبيعي.
وعلاوة على ذلك فعندما يتصرف الفرد بعدالة تصبح الدولة أيضاً عادلة، وإذا ما تبع كل فرد طبيعة، كما يقول أفلاطون، فإن الأفراد سيقسمون أنفسهم إلى ثلاث مجموعات رئيسة. فبعض الأفراد سيكونون بطبعهم أكثر ميلاً إلى البحث من العمل اليدوي أو الحرفي وبالتالي يصبحون عمالاً، وآخرون سيتجهون بطبعهم إلى الأنشطة التي تتضمن المخاطرة الجسدية وبالتالي يصبحون قادة عسكريين بينما سيكون الآخرون مهتمون بشكل طبيعي بالخدمة العامة وصنع السياسة ومن ثم ينضمون إلى طبقة الحكام. ويعتقد أفلاطون بأن الفلاسفة بطبيعتهم هم الأحق والأجدر بدخول مجموعة الحكام لأنهم أكثر من يستخدم العقل للبحث من الحقيقة. وفي هذا النقاش حول العدالة فإن الاعتبار الأكثر أهمية بالنسبة لأفلاطون هو أن كل فرد يختار العمل الذي ينسجم مع طبيعته ومن ثم ينتسب إلى المجموعة التي تنسجم مع ميوله الطبيعية، ومواهبه وقدراته.
ويعّرف أفلاطون الظلم على أنه العمل أو التصرف المناقض للطبيعة، ولذا فإذا حاول فرد ما ممن تؤهله طبيعته ليكون من قادة الجيش أن يتجاوز ذلك إلى طبقة الحكام فإن هذا هو الظلم بعينه. وإذا ما كان فرد ما تؤهله طبيعة ليكون عاملاً لكنه يتمنى أن يرتفع إلى طبقة الجنود فهذا من الظلم أيضاً. فالخروج من المجموعة التي تؤهلك طبيعتك للانضمام إليها يضعك في حرب مع العدالة ولذلك فمن المثير للاهتمام أن أفلاطون يحذر من الطموح ويقف ضد محاولة الحراك الاجتماعي إلى الأعلى أو الأسفل وضد حتى القيام بعمل شيء ما فقط لأنه يحظى بالاهتمام أو لمجرد وجود القدرة على عمل ذلك. فكل تلك الأشياء كما يقول أفلاطون يمكن أن تبعدنا عن الطبيعة وتجلب التعاسة والشقاء لأنفسنا والظلم للدولة.
ونلاحظ هنا أن نظرية أفلاطون تنتقد مجرد النزعة إلى الترقي، أو المنافسة للتفوق على أقرانك أو الطموح في إنجازات أكبر في كل مجالات الحياة ومن ثم فإذا استمعنا إلى أفلاطون فمن الممكن أن ننظر بازدراء إلى تلك المحاولات ويمكن أن نسأل ما إذا كانت كل طرق المهن هي طبيعية لكل الناس.
إن كتابات أفلاطون تثير احتمالات رائعة وكانت موضوعاً لتعليقات لا تحصى. بعض القراء أرعبتهم فكرته عن الطبقات الثلاث التي يصنف ضمنها الأفراد، وصدم أفلاطون بعض الناس لكونه يدعو في فكره إلى الهرمية البائسة والتسلطية. وبالفعل فقد كان أفلاطون ناقداً للديموقراطية لأنه كان مقتنعاً بأن الحكم وصناعة السياسة هي موهبة طبيعية يتملكها بعض الناس، وليس كلهم. ومن خلال تأكيده هذا لم يغضب أفلاطون المشاعر الديمقراطية فقط ولكنه صدم أيضاً بعض المعلقين ودفعهم إلى وصفة بالأنانية عندما رأى بأن الفلاسفة (مثله) هم الطبقة الأكثر ملاءمة بطبعهم لحكم الدولة المثالية. وتأثرت مشاعر بعض المعلقين بزعم أفلاطون أن الحياة العادلة أكثر أهمية من إتّباع الطموح الشخصي. أن الشيء المؤكد الوحيد في تلك التفسيرات هو أن أفلاطون سيستمر في تحديه لقرائه بإغاظة البعض وإبهاج الآخرين.
أما أرسطو، تلميذ افلاطون، فقد اختلف مع أستاذه حينما رفض الحكم الذي لا يستند على القانون حتى لو كان صادرا عن فيلسوف وأكد على أن الدولة الجيدة ينبغي أن تقوم على القانون المستند على العقل وأن حكم الفرد يمهد للشر. واعتقد ارسطو بأن السعادة هي هدف الحياة وأن الإنسان هو كائن اجتماعي في حاجة إلى التوجيه من قبل مجتمع منظم. كذلك كان ارسطو أول عالم سياسة إحصائي تجريبي. فبدلا من افتراض وجود نماذج مثالية يمكن التعرف عليها من خلال التحليل العقلاني قام ارسطو بدراسة الظروف السياسية على أرض الواقع. وكجزء من دراسته تناول بالتحليل التاريخ السياسي لأكثر من 150 دولة مدينية وقومية في عهده ، ومن خلال هذه المعلومات وضع كتابه الهام "السياسة".
عاصر كل من أفلاطون وأرسطو أفول دولة أثينا وحاولا أن يفهما لماذا وأن يقترحا وسائل للحيلولة دون ذلك. لذلك ابتدعا تقليدا لا يزال في قلب علم السياسة حتى اليوم: متمثلاً في البحث عن مصادر وأسباب السلام السياسي والاستقرار. ولم يكن أرسطو متردداً في تعريف وتحديد ما اعتقد أنه الأفضل سياسياً كما يقول في هذا المقطع.
أن أفضل مجتمع سياسي هو ذلك المكون من مواطني الطبقة الوسطى وهذه الدول أكثر احتمالاً لأن تدار بكفاءة وفيها تكون الطبقة الوسطى كبيرة..... وهي التي يكون لدى أفرادها ملكية معتدلة وكافية. وذلك لأنه عندما يمتلك البعض كثيراً ولا يجد الباقون شيئاً فإنه من الممكن أن يبرز ديموقراطية متطرفة أو أقلية أوليجاركية واضحة، أو حاكم مستبد...... وتكون الديموقراطيات أكثر أمناً ودواماً من الاوليجاركيات وذلك لأنها تحتوي على طبقة وسطى كثيرة العدد ولديها تأثيراً أكبر على الحكومة، وعندما لا يوجد طبقة وسطى ويكثر عدد الفقراء بشكل كبير تبرز المشكلات وسرعان ما تزول الدولة.
وبرغم أن أرسطو كتب هذا المقطع في القرن الرابع قبل الميلاد إلا أنه كان يشرح لماذا تنجح أو تخفق الديموقراطية اليوم. وهذا يعتمد بدرجة كبيرة على حجم الطبقة الوسطى وهو ما أثبته البحث الحديث. لقد كان أرسطو وصفياً ومعيارياً في نفس الوقت: حيث استخدم الحقائق التي جمعها مع تلاميذه لوصف أفضل المؤسسات السياسية. وهو الشيء نفسه الذي كان علماء السياسة يفعلونه منذ ذلك الحين وحتى اليوم وصفاً وتشخيصاً.
ويقدم كتاب أرسطو "السياسة" أفكاراً مثيرة للاهتمام حول موضوع المساواة. وتوفر لنا قراءة ملاحظات أرسطو فرصة للتفكير حول ما تتضمنه المساواة. فأرسطو يشير إلى أنها يمكن أن تعني أي شيء ويزعم بأن المساواة تخدم البشرية بشكل أفضل عندما تفهم على أنها تعني اعتبار متساو للمصالح. وبهذا التعريف فإن المساواة ينبغي أن تشجع من قبل الدولة. وفي تفسيره للاعتبار المتساوي للمصالح يسألنا أرسطو لأن نأخذ في الاعتبار الأشكال المختلفة للدولة، وأشار إلى ستة أشكال هي : الملكية، الارستقراطية، الجمهورية، الاستبدادية، الاوليجاركية والديموقراطية. وعرّف كل شكل من خلال معيارين هما : من يحكم وما هي المصالح التي تسعى الحكومة لتحقيقها. ومن خلال الاعتماد على هذين المعيارين قدم أرسطو التعريفات التالية :
• الملكية : حكم الفرد لمصلحة الجميع.
• الاستبدادية : حكم الفرد لمصلحة الحكام.
• الارستقراطية : حكم القلة لمصلحة الجميع.
• الاوليجاركية : حكم القلة لمصلحة الحكام.
• الجمهورية : حكم الكثرة لمصلحة الجميع.
• الديموقراطية : حكم الكثرة لمصلحة الحكام.
وطبقاً لأرسطو فإن كلاً من الملكية والارستقراطية والجمهورية تعتبر نماذج حكم مناسبة لأن كل منها يحاول تحقيق المصلحة العامة. وفي هذه الأشكال الثلاثة للحكومات ، وبغض النظر عن عدد الممسكين بالسلطة، تعمل الدولة على تحقيق المصالح العامة للجميع. وأعتبر أرسطو أن نماذج الحكم الثلاثة الأخرى المستبدة، الاوليجاركية والديموقراطية هي نماذج غير صالحة لأنها لا تهتم إلا بتحقيق مصالح القائمين على الحكم. ففي ظل نموذج الحاكم المستبد تصبح مصالح الحاكم مقدمة على ما سواها. وفي النموذج الاوليجاركي تسعى القلة التي تمسك بزمام السلطة إلى تحقيق مصالحها حتى لو كان على حساب مصالح الأغلبية، وفي الديموقراطية تتحكم الأغلبية في السلطة لكنها تتصرف مثل المستبدين حيث يحكم أفرادها بطريقة نفعية أنانية وينسون مصالح الأقلية. باختصار أن كل أشكال الحكومات الفاسدة تنتهك مبدأ الاعتبار المتساوي للمصالح فكل منها يتحيز ضد الجماعات الأخرى ويضطهدها.
ومن المثير للاهتمام أن أرسطو يرى أن المشاركة المتساوية في عملية صنع القرار هي أقل أهمية من المساواة في نتائج القرار وهذا الفارق ملفت جداً للنظر في مقارنته بين الملكيات والديموقراطيات. لكننا إذا ما عرفنا المساواة طبقاً للمشاركة، فيمكن أن تبدو الديموقراطية أكثر أخلاقية من الملكية. إلا أن أرسطو يعرف المجتمع الديموقراطي على أنه المجتمع الذي يشارك فيه معظم الناس في الحكم ولهذا فإن هناك على الأقل مشاركة على أسس متساوية (لدى الناس جميعاً نفس حقوق المشاركة).
ومع ذلك فإن أرسطو يفضل الملّكية المستنيرة على الحكومة الديموقراطية لأنه يعتقد بأن الأغلبية تحكم ولكن لتحقيق مصالح أفرادها ومن ثم فإن القرارات التي تتخذها الأغلبية لا تعطى اهتماماً متساوياً لمصالح الأقلية. بينما يعتقد أرسطو أنه برغم عدم وجود مساواة في عملية صنع القرار في الحكومة الملّكية إلا أن هناك مساواة فيما يتعلق بنتائج القرارات المتخذة. باختصار كانت الفلسفة الإغريقية تنحو في الغالب نحو المثالية وتؤكد على فكرة الاكتفاء الذاتي كأساس لدولة المدينة الإغريقية. كذلك كانت الدولة لا الفرد محور اهتمام هذا الفكر.

Admin
Admin

المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 05/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tassili.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى