الفكر السياسي الروماني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفكر السياسي الروماني

مُساهمة من طرف Admin في السبت ديسمبر 06, 2008 11:43 pm

الفكر السياسي المسيحي: التخلي عن فكرة الاكتفاء الذاتي :
لقد تبنى معظم المفكرين السياسيين الأوربيين في القرون الوسطى وعصر النهضة اقتراباً دينياً لدراسة الحكومة والسياسة، وكانوا بالتحديد معياريين يحاولون اكتشاف ما ينبغي أن يكون وغير مبالين، غالبأ، بالواقع "أي حالة العالم الراهن". وتحت تأثير قيم دينية وقانونية وفلسفية حاولوا تحديد شكل نظام الحكم الذي يمكن أن يقرب البشر إلى أقرب ما يعتقدون أنه مشيئة الله. ويمكن تفسير المسيحية كديانة مثل الرواقية مع مكون إضافي هو الإنقاذ الشخصي. فموقف المسيح بنظرهم تجاه الدولة كان مماثلا لموقف الرواقيين : حيث تزعم الأناجيل أنه عندما واجه المسيح تحدي سؤال الولاء السياسي له أو للإمبراطور قال " دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ". ومع انه كان من الممكن للرواقيين أن يتفهموا أن لم يكن يتقبلوا تماماً ثنائية شئون الإنسان وشئون العالم ، إلا أنه لا اليهود ولا النصارى كان يمكن أن ينظروا للإمبراطور كنقطة ولاء أخيرة . فاليهود بحثوا عن الخلاص من الخضوع للرومان من خلال المسيح الفاتح بينما رفض المسيحيون تأييد إمبراطور وثني . ودفع كلا منهما الثمن غالياً . ولكن عندما تقبلت روما المسيحية في 310 م تكيف المسيحيون مع السلطة الرومانية ، ومنذ ذلك الحين لم يطلب من المسيحيين معارضة الدولة .
وفي نهاية الأمر أنشأت المسيحية في أوربا الغربية نظاماً واسعاً للحكم منفصلاً عن الحكم الدنيوي ، ولم يكن التحول من الحكم الديني إلى الحكم الزمني في أوربا سهلاً ولا سلساً. وكان هناك عدد من المزاعم المتناقضة حول السيادة والسلطة بين البابا والملوك المحليين. بل لقد مضى قرابة 1000 عام بين انهيار الإمبراطورية الرومانية وتبلور نظرية سياسة تضع السلطة السياسية خارج نطاق سلطة الكنيسة. أما المسيحيون الارثوذكس في القسطنطينية فقد كيفوا أنفسهم مع الحكم الزمني من خلال توليفه من الكنيسة والدولة ، إلا أن المسيحيين جميعاً قد أنكروا فكرة الاكتفاء الذاتي للمجتمع السياسي الإغريقي أو عقائد الرومان فالناس بدون محبة الله لا يساوون شيئاً .
لقد كان الأثر غير الديني للمسيحية على السياسة يتمثل في خلق شعور بالتضامن الإنساني والمساواة الروحية بمعزل عن الانتماء القومي أو السياسة أو الحكمة. فالرواقيون يمكن أن يتحدثوا عن أخوة روحية للإنسانية لكن الرواقية بقيت معتقد موظفي الإمبراطورية الرومانية ، أما المسيحية فقد كانت مختلفة كما يزعم القديس اوغسطين ( 354-430) فالمسيحيون عاشوا " بالأمل "وليس " بالأشياء "، بينما لم تستطع الرواقية فلم تستطع التخلص من " الأشياء " – الطبقة ، الدولة – التي تقسم الناس.
عاش اوغسطين في شمال إفريقيا وفي الجزائر بالتحديد وكان أول من أجاب عن موقف المسيحيين من الحياة السياسية. حيث كتب اوغسطين عن مدينتين الدنيوية والروحية تتعايشان عبر التاريخ. ويواصل قائلا " برغم أنه كان هناك عدد كبير من الأمم الكبيرة على الأرض والتي كانت طقوسها وعاداتها وهويتها وسلاحها تتسم بخلافات جوهرية إلا أنه لم يكن هناك أكثر من نوعين من المجتمع الإنساني اللذان يمكن أن يسميا مدينتين. الأولى تتكون من أولئك الذين يريدون الحياة المادية بمباهجها (مدينة الشيطان) والأخرى (مدينة الله) تتكون من أولئك الذين يثمنون الحياة الروحية ، وكل يشعر بسعادة عندما يحقق ما يريد. ولم يكن اوغسطين يعني بذلك المعنى الحرفي للمدينة وانما يشير بذلك إلى المجتمع. كما لم تكن المدينة الروحية محصورة فقط في الكنيسة آنذاك فقد كان هناك أناس خارج الكنيسة يعيشون للروح.
وبينما يمكن للمدينة الزمنية أن تكون ظالمة أو عادلة إلا أن وجودها هو نتيجة للخطيئة الإنسانية. وهؤلاء الذين يعيشون للمادة يختلطون بأولئك الذين يعيشون للروح وسيبقون معاً حتى يوم القيامة. وحتى يأتي هذا اليوم الأخير يجب على الناس أن يطيعوا الدولة ويتمتعوا بسلامها لكن عليهم أن يتجهوا بعقولهم إلى الله. ولذلك كان اوغسطين أول من يواجه المعضلة الأساسية للمواطن المسيحي . فقبل مجيء المسيح كانت السياسة الإغريقية والرومانية ذات نظم مغلقة تعتمد على نفسها لتحديد الهدف والوجهة، لكن المسيح قد وعد بمآل جديد وأفضل بعد الموت. والدولة يمكنها في أحسن الأوقات أن تساعد الكنيسة في هذا المجال لكنها لا يمكن أن تقوم بوظائف الكنيسة .
وكانت المشكلة في أن اوغسطين لم يكن قد حدد بشكل كامل حدود الكنيسة الزمنية معتقداً ضمناً بأن الكنيسة أو بعض أعضائها يمكن أن يبقوا خارج مدينة الله. فضلا عن أن أوغسطين قد زعم انه لم يكن بإمكان الكنيسة ولا حتى الدولة أن تكون مكتفية ذاتياً أو منسجمة مع وظيفتها الأساسية ، ولذلك كان الفكر السياسي في العصور الوسطى يمثل صراعاً حول طبيعة المدينتين وعلاقاتهما الملائمة .
وبعد وفاة اوغسطين بفترة قصيرة انقرضت الإمبراطورية الرومانية واستبدلت بسلسلة من التنظيمات القبلية ، وانعزلت أوربا الغربية عن البحر المتوسط كما أن مراكز المسيحية الشرقية هي الأخرى سقطت أو عزلت من خلال تصاعد المد الإسلامي ولذلك لم يكن هناك أهمية كبيرة للفكر السياسي آنذاك في مثل ذلك العالم. ومع أن الإمبراطور الإفرنجي شارلمان استطاع أن يعيد نوعاً من الوحدة الإمبراطورية في 800م لكنه لم يستطع هو ولا أي ممن جاء بعده أن ينشئ إمبراطورية بأهمية الإمبراطورية الرومانية مما مهد الطريق لبروز النظام الإقطاعي اللامركزي لتنظيم العلاقات الاجتماعية السياسية. وتكّون الإقطاع باختصار من وحدات إقليمية متناثرة يكون فيها النبيل معتمداً على خدمات التابع والذي بدوره يتحكم في مجموعة كبيرة من الفلاحين. " والحكم " هنا يتضمن سلسلة من الالتزامات المشتركة للأطراف المختلفة وتحولات في الولاء بين النبلاء. وقد تطلب بعث الفكر السياسي خارج نطاق الكنيسة ليس فقط فكرة جديدة للدولة المكتفية ذاتياً وإنما وجهة نظر للناس التي يمكن أن تجد معنى في العالم. وهذان الشرطان لم يتحققا لقرابة 1000 عام منذ تأكيد أوغسطين على اعتماد النظريات حول القيم على الممارسة. والممارسة تتطلب الآن من الكنيسة أن تطبق تراث اوغسطين .
وقد أكد البابا جيلاسيوس فكرة التنظيم المنفصل للكنيسة والدولة في أوربا الغربية سنة 500م من خلال مبدأ السفين، حيث زعم أن السيفين يرمزان إلى المجالين الدنيوي والديني وإن كلاهما يجب أن يتعاونا لضمان السلام والعدالة على الأرض اللازمان لتحقيق الخلاص. إلا أن كلاً منهما يمثل سيفاً مطلوباً لإيذاء أولئك الذين يتدخلون في مهمة الكنيسة للخلاص .
وقد مثلت هذه النظرية دعوة مفتوحة للصراع مع الحكام الدنيويين مع تحول البابا جريجوري السابع ( قرابة 1080م ) إلى حاكم ذو سيادة مطلقة قادر على السيطرة على تعيينات الأساقفة الذين كانوا الجزء الأساسي للحكم الإقطاعي. وهو الأمر الذي حسم الجدال المتعلق بمن له الكلمة الفاصلة في تعيين الأساقفة هل هو البابا ام الإمبراطور؟ هذا الجدال تميز بإثارة الاهتمام من جديد بالقانون الروماني – وخاصة مسألة ما الذي يجعل الحكم عادلاً .
وبحلول القرن الثاني عشر كانت الأوضاع في أوربا مستقرة إلى الدرجة التي جعلت من الممكن إعادة النظر في طبيعة الدولة. وفي هذه الأثناء كان جون سالزبوري (1110-1180) الذي عمل سكرتيرا لرئيس أساقفة كانتربري ، زعيم الكنيسة البريطانية ، قد ألف كتاب ( Policraticus The ) "رجل الدولة" الذي وجهه إلى ملك بريطانيا هنري الثاني أملاً في التأثير على الملك ليصبح نموذجاً للحاكم المقبول في الكنيسة. وكان الكتاب يعتبر أول نظرية سياسية شاملة منذ اوغسطين وفيه تقبل سالزبوري فكرة شيشرون عن أهمية القانون والعدالة. فالقانون هو "هدية الله ومصححاً لتجاوزات البشر ". ولذا فعلى كل من الملك ورعيته الإذعان للقانون ، بل أن حكم الملك يكون شرعياً طالما اتبع تعاليم الله . لكن سالزبوري لم يكرر موقف شيشرون فقط بل تجاوز ذلك إلى وصف " الأمير " كرأس لجسد يجب على العقل أن يوجه كل تصرفاته.
ولذلك " فالمستبد " هو الملك الفاسد الذي تخلى عن العقل ، والله والكنيسة. ومثل هذا الحاكم ينبغي عصيانه وحتى قتله. وأكد سالزبوري على أن سلطة الكنيسة أسمى من سلطة الدولة لأن الدولة تستمد حقها في تطبيق القانون من رضا الكنيسة وموافقتها. وقد مثل هذا الكتاب تغيراً هاماً في الموقف منذ اوغسطين قبل 700 سنة الذي كان قد وصف المملكة الدنيوية "باللصوص الكبار " التي نشأت على العنف والتي لا تختلف كثيرا عن "اللصوص الصغار" الذين كان يفترض فيها أن تحاربهم. ولم يعدّل سالزبوري مفهوم الدولة فقط ولكن أيضاً أعاد لها الاعتبار كموضوع بحث جدي .
مع أن سالزبوري قد استعار فكرة شيشرون عن الجمهورية إلا أنه كان من الصعب عليه وعلى غيره من مفكري العصور الوسطى المبالغة في عرفانهم بالجميل للفكر السياسي الإغريقي والروماني الذي تصور منطقاً للسياسة بدون الكنيسة. ومع إنه لم يتم إعادة اكتشاف بعضا من أعمال ارسطو إلا في حوالي 1890 إلا أن الترجمة اللاتينية لكتاب "السياسة" كانت متوفرة في بعض الجامعات في بداية القرن الثالث عشر.
وقد عارضت الكنيسة كتابات ارسطو في بداية الأمر لأنها بدأت تقلل من شأن الإيمان في الاحتياجات الإنسانية إلا أنه لم يكن من السهل حظر أو نقض المنطق الأرسطى. بل أن القديس توماس الأكويني ( 1224-1274) كان قد شرع في تكييف أفكار ارسطو السياسية على وجه الخصوص ، وبدأ بتقبل اعتقاد ارسطو بأن السعادة هي هدف الحياة وأن الإنسان هو كائن اجتماعي في حاجة إلى التوجيه من قبل مجتمع منظم. واتفق الاكويني مع ارسطو في أن القانون يسهم في صياغة الشخصية الإنسانية. وكانت المشكلة هي في كيفية شرح الطريقة التي من خلالها يمكن للقانون الدنيوي والحياة السياسية أن يصبحا ذوا قيمة روحية. وقد قدم توماس الاكويني وصفا لعلاقة منظمة بين كل أنواع القانون ، كل منها يتطلب سلطة واتجاه مختلفين لكنها معتمدة على بعضها. فالقانون الإلهي الخالد يعتمد على المنطق المقدس الذي يوجه الأفكار الإنسانية نحو ما هو حق ، بينما القانون الطبيعي الذي يتوصل إليه بالعقل ، يكوّن القانون الإنساني ، وأن المنطق كان قادراً على تحسين الصالح العام للمجتمع . وقد وجد توماس الاكويني أن فكرة ارسطو عن الدولة المحكومة بالعدل تتوافق مع ما يمليه ضمير الحاكم المسيحي

Admin
Admin

المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 05/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tassili.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى