النظرية السياسية الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النظرية السياسية الحديثة

مُساهمة من طرف Admin في السبت ديسمبر 06, 2008 11:47 pm

التحول إلى النظرية السياسية الحديثة
هناك ثلاث تغيرات كبيرة طبعت التحول من النظرية السياسية الكلاسيكية والقروسطية إلى النظرية السياسية الحديثة. أولها : بروز الدولة كوحدة حديثة ، حيث تطورت الدولة كظاهرة زمنية ، علمانية مركزية ، قومية ، إقليمية لم تكن معروفة في الأزمنة الماضية. فخلال العصر الكلاسيكي الإغريقي والروماني كانت دولة المدينة والإمبراطورية النموذجين المهيمنين في التنظيم السياسي ، أما فترة القرون الوسطى فقد اتسمت بدرجة مفرطة من اللامركزية. فعلى سبيل المثال كانت ألمانيا مقسمة إلى أكثر من 300 مقاطعة ، هذا التشتت أدى إلى نشوء نظام معقد من الالتزامات المتبادلة عرف بالإقطاع كنموذج مهيمن للتنظيم الاجتماعي .
كذلك أسهمت حركة الإصلاح الكنسي البروتستانتية في علمنة الدولة الحديثة. ففي زمن حركة الإصلاح في القرن السادس عشر كانت الكنيسة الكاثوليكية قد بدأت مرحلة التراجع كقوة زمنية ، وساهم قادة الإصلاح وعلى رأسهم مارتن لوثر وجون كالفن في القضاء على الكاثوليكية العالمية في أوربا، كما أسهم نجاح مطالب حرية الرأي، تحرير العقل ، التسامح الديني ، والفصل بين الكنيسة والدولة في فقدان الدولة الحديثة معظم إن لم يكن كل خصائصها الدينية. وفضلاً عن ذلك فإن التركيبة المسيحية للقرون الوسطى التي رأت اتحاداً بين الكنيسة ( الاعتبارات الدينية ) والدولة ( الاعتبارات الدنيوية ) انهارت بفعل هذه التطورات .
وبعكس التنظيمات السياسية الكلاسيكية والقروسطية استندت الدولة الحديثة على شعور قوي بالقومية بين مواطنيها وإصرار على حماية حدود الدولة . هذه العوامل معاً أكدت أن الدولة القوية هي الوحدة السياسية الأساسية للعالم الحديث وأن القومية هي أقوى الإيديولوجيات السياسية ، أي أن دور القومية في العالم الحديث يماثل دور الدين في العصور الوسطى .
أما التغير الكبير الثاني فيتمثل في المواقف الجديدة تجاه دور الإله ودور الإنسان في الحياة اليومية. فمع ازدياد مناصري الطريقة العلمية تعرض دور ما وراء الطبيعة إلى تغييرات كبيرة ، فلم يعد يعتد بالمعجزات وتم البحث عن تفسيرات طبيعية لأحداث الحياة اليومية ، وحل العقل محل الإيمان كأداة لاكتشاف الحقيقة. ولذلك بينما كان عالم العصور الوسطى غيبياً ومهتماً بالخلاص كان اهتمام العالم الحديث بالمكان واللحظة .
ولم يكن غريباً أيضاً أن يرفض العصر الحديث فكرة النظام المكتشف عقلياً ، الموضوعي، الأخلاقي، فالأفراد المبدعون يستطيعون صياغة قيم جديدة ومؤسسات جديدة أيضاً. وفقد مفهوم القانون الطبيعي محتواه الديني واصبح محصوراً بشكل أكبر في حالة الفطرة ، وهي الحالة التي لم يكن فيها مؤسسات اجتماعية. أما في المجتمع المدني فقد أصبح القانون الوضعي Positive Low أي القانون الذي يضعه الإنسان موضوعاً للبحث والدراسة. إلا أن فقدان المعيار العالمي للقيّم أدى إلى نشوب الخلاف بين التعريفات المتنافسة للخير والشر ، والحق والباطل والحقيقة والكذب. ولذا فإن ظهور الأيديولوجيات ذات الأنساق القيّمية المختلفة يمكن إرجاعه بشكل مباشر إلى انهيار الإيمان في معيار عالمي للقيّم .
وحلت الأيديولوجيات ، كمعتقد دنيوي ( علماني ) مكان الإيمان المقدس للعصور الوسطى. ولذا فقد شغلت الليبرالية ، المحافظة ، الرأسمالية ، الاشتراكية ، والشيوعية العقل الحديث بنفس الطريقة التي شغلت فيها الاعتبارات الدينية اهتمام اوغسطين والاكويني خلال العصور الوسطى. وهذه الإيديولوجيات برغم أنها تطمح للعالمية إلا أنها تعريفات محدودة لطريق المجتمع الصالح والعادل. ونظراً لأن العقل لا يستطيع أن يوفق بين الاختلافات فقد بقي العالم الحديث مسرعاً للصراعات الأيديولوجية.
أما التغير الكبير الثالث فتمثل في الاهتمام الجديد بتقييد القوة السياسية. فقد كان هناك تحولاً هاماً من تبرير القوة المطلقة إلى تبرير القيود على ممارسة القوة. فكل منظرو العقد الإجتماعي توماس هوبر ، جون لوك ، جان روسو ، بارون مونتسكيو وضعوا الحقوق الطبيعية ملازمة للقانون الطبيعي. وتضمنت فكرة الحقوق الطبيعية حكومة ذات قوة مقيدة وليست مطلقة. فضلاً عن ذلك نظر إلى الحقوق على أنها سابقة للواجبات السياسية. ونتيجة لذلك تم التأكيد على الحقوق وليس الواجبات. وتفترض النظرية السياسية الديمقراطية الليبرالية الحديثة أن الشعب هو المصدر الوحيد للشرعية السياسية وليس الملك أو الطبقة المميزة أو الكنيسة، وأن الحكومات أنشئت لهدف محدد هو حماية الحقوق الطبيعية للأفراد وتعزيزها، وأنه إذا ما تعرضت حقوق الناس للتهديد أو الانتهاك فإن لهم الحق في الثورة وهذا ما أكده إعلان كلا من الثورتين الأمريكية والفرنسية .
ونظراً لأن إساءة استخدام السلطة كانت أمراً شائعاً فقد طور المنظرون السياسيون المعاصرون عدداً من الآليات الهادفة إلى التحكم في ممارسة القوة السياسة. ويعتبر كلا من الدستور المكتوب، لائحة الحقوق ، المجلسين التشريعيين ، فصل السلطات ، المراقبة والتوازن ، الفيدرالية ، المراجعة القضائية من بين الأدوات المستخدمة في الدول الديمقراطية لتقييد استخدام القوة السياسية. وبرغم أن كل تلك الأدوات كانت غير مهمة في العصور القديمة والوسطى إلا أنه لا يمكن تصور ديمقراطية حديثة بدونها .

Admin
Admin

المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 05/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tassili.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى