النظرية السياسية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النظرية السياسية

مُساهمة من طرف Admin في السبت ديسمبر 06, 2008 11:30 pm

النظرية السياسية
مقدمة
يتساءل كثير من طلاب علم السياسة لماذا نشغل أنفسنا بالنظريات ولماذا لا نصرف جهودنا نحو تجميع أكبر قدر من الحقائق وندع تلك الحقائق تنظم نفسها إلى كُلٍ متماسك؟ ببساطة لا يمكن ذلك. فتجميع الحقائق بدون مبدأ يقودنا فقط إلى كم كبير من المعلومات عديمة الجدوى. ولكي نكون أكثر جدية فإن النظريات يمكن أن تصل إلى درجة مفرطة من التجريد وتنفصل عن العالم الحقيقي إلا أنه بدون إطار نظري على الأقل لا نستطيع حتى أن نعرف ما هي الأسئلة التي يجب أن نوجهها. وحتى لو قلنا بأنه ليس لدينا أي نظريات فمن المحتمل أن يكون لدينا بعضها دون أن نشعر، بل أن مجرد نوع الأسئلة التي نطرحها وأياً منها نبدأ به يمثل بداية للتنظير.
تعتبر النظرية السياسية فرعاً من فروع علم السياسة وتركز على المسائل المعيارية والأخلاقية للسياسة. وفي هذا الكتاب سيكون هدفنا من دراسة هذا الموضوع ذو شقين فمن جهة نحاول فهم التقاليد التاريخية والنصية للمنظرين ولكننا أيضاً سنحاول إخراج تعاليمهم من إطارها التاريخي لنرى ماذا يمكن لتلك التعاليم أن تقدمه لنا في مجال فهم وإيجاد الحلول للمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها في الوقت الحاضر. بمعنى آخر تتضمن النظرية السياسية كلاً من دراسة النصوص والتفكير النقدي لما تقدمه لنا تلك النصوص في مجال المعرفة.


تحليل النظرية السياسية
قصة الكهف الرمزية لافلاطون
كان أفلاطون الذي عاش في الفترة من 427-347 قبل الميلاد واحداً من الفلاسفة البارزين في أثينا القديمة. ولد أفلاطون لأسرة أنجبت قادة سياسيين مشهورين وخدم دولة مدينة أثينا أولا من خلال اشتراكه في الجيش خلال حرب اثينا ضد اسبارطة ، وثانيا وهو الأهم من خلال إسهاماته الثقافية والعلمية، وقد كون أفلاطون فلسفته خلال فترة من النشاط العلمي المتوقد في أثينا القديمة التي لاحظ فيها أستاذه سقراط (470-399 قبل الميلاد) وهو ينتقد السفسطائيين وهم مجموعة الفلاسفة الذين كانوا يدرّسون فن البيان أو البلاغة مؤكداً بأن العقل ينبغي أن يهتم بالبحث عن الحكمة – وليس بإتقان البلاغة. هذه الفكرة الفلسفية التي كان سقراط ينادي بها أدت به إلى الاصطدام مع النخب السياسية في أثينا الذين حكموا عليه بالموت في 399ق.م بتهم العقوق وإفساد الشباب. وقد أرعب هذا التطور أفلاطون مما دفعه إلى تكريس حياته للفلسفة مقتفياً آثار أستاذه.
لقد عاش كلا من سقراط وأفلاطون خلال فترة الحروب البيلونيزية التي نشبت بين أثينا وأسبارطة والتي أنتهت بهزيمة أثينا في 405 قبل الميلاد. وفي الفترة من 387 قبل الميلاد – 529 بعد الميلاد أصبحت أكاديمية أفلاطون مركزاً للتعليم حيث درس أرسطو (384-322 قبل الميلاد) وغيره في هذه الأكاديمية علوم الفلسفة والقانون والرياضيات والمنطق. كما أثرت كتابات أفلاطون على فلاسفة آخرين مثل الفيلسوف فيلو Philo في الاسكندرية (15 قبل الميلاد – 50 بعد الميلاد) الذي دمج التعاليم الأفلاطونية مع التعاليم اليهودية، والقديس أوغسطين (354-430م) الذي كان لكتاباته في النظرية السياسية المسيحية تأثيراً واضحاً على صياغة الأفكار المتعلقة بالعلاقات الدينية – والدنيوية خلال العصور الوسطى، بالإضافة إلى المفكر الإسلامي الشهير ابن رشد (1126-1198م) الذي أسهمت أعماله في تطور النظرية القانونية والدينية والسياسية.
لقد كان تأثير سقراط على أفلاطون كبيراً إلى الحد الذي جعل أفلاطون يستخدم سقراط كرمز رئيسي في عدد من أعماله. وفي كتابه "الجمهورية" يقدم أفلاطون قصة رمزية لإيضاح عقبات وثمار التحليل النقدي الفلسفي. و ينبغي أن ينظر إلى هذه القصة الرمزية المسماة قصة الكهف الرمزية كمثل أو حكاية رمزية للنظرية السياسية نفسها. ويكمن غنى وأهمية تعاليم قصة الكهف مثلها في ذلك مثل كل القصص الرمزية ليس في التفاصيل الحرفية للقصة وإنما في الأسئلة الفلسفية الأكبر التي تتضمنها تلك التفاصيل. فهي ليست في الواقع عن الكهوف إطلاقا وإنما تتعلق بالإمساك بالمسائل التي لابد من فهمها لكي نرى العالم بوضوح.
وفي كتاب "الجمهورية" بدأ أفلاطون حكايته الرمزية بشخصية سقراط وهي تخبرنا أن القصة يفترض فيها أن توضح طريقة الوصول إلى الفهم والتنوير. ولهذا السبب كانت الحكاية مفيدة جداً كمثال للتنظير السياسي، وذلك لأن النظرية السياسية تمثل تاريخ البحث عن التنوير والفهم حول الأسئلة المعيارية للسياسة.
ما هو الظرف الإنساني المناسب للمعرفة والجهل؟ يؤكد سقراط في هذه القصة بأنه لكي نبدأ الإجابة على هذا التساؤل لابد أن نتخيل أنفسنا نعيش في كهف تحت الأرض. وكسكان لهذا الكهف فنحن غير مكترثين بمعظم المظاهر الأساسية لبيئتنا. فعلى سبيل المثال نحن لا نعرف أننا بالفعل في داخل كهف، كذلك نفترض بأن الأشياء التي نلاحظها حولنا تمثل كل ما في الوجود، وليس لدينا أية فكرة بأنه يوجد فوقنا سطح وسماء وشمس وذلك لأننا وبشكل تلقائي نعتقد بأن ما نراه فقط هو الواقع. ويشرح سقراط بطل القصة قائلاً بأن قوة أبصارنا في الكهف محدودة جداً، فالكهف ضعيف الإضاءة ومن ثم فإن أبصار الأشكال والصور يكون صعباً. ولكن نظراً لأننا عشنا دائماً في هذا الكهف فإننا لا نشعر بأنه مظلم أو غير واضح فكل شيء سيبدو لنا عادياً.
وهناك أشياء في هذا الكهف لا نعرف عنها شيئاً فنحن لا نستطيع النظر إلا إلى الإمام. وبالنظر إلى أننا لم نحاول أبداً النظر إلى الخلف فنحن لا نعرف حتى ما إذا كان ذلك ممكناً، ولذا فنحن لا ندرك بأننا مقيدون. وهناك وراءنا ثلاث أشياء مهمة : نار الشعلة المعلقة على جدار الكهف، وطريق يؤدي إلى خارج الكهف ومجموعة من الناس تحرك أشياء بحيث تترك لها ظلالاً على جدران الكهف .في هذا الكهف نرى الظلال أمامنا فقط ولا ندري أبداً أن هذه مجرد ظلال تشكلت نتيجة لتحرك الأشياء أمام نار الشعلة في نهاية الكهف. وعندما لا يكون لدينا أي سبب للتفكير بطريقة أخرى فإننا نعتبر تلك الظلال حقيقية.
ولذلك فإن حياتنا هي بمثابة مشاهدة للظلال، ونكون بالتالي مسحورين بعالمنا الذي لا نعرف طبيعته الزائفة أو الفارغة. بل أننا متأكدين أننا نعرف الحقيقة – فبعد كل شيء نحن نلاحظها تجريبياً – ومن ثم أصبح رضانا بواقعنا جزءاً من طبيعتنا نحن نشعر بأن كل شيء على ما يرام.
وفجأة يحدث شيئاً ما يحطم ويكسر الحياة في الكهف. فقد وقف شخص ونظر حوله وبمجرد قيام هذا الشخص بهذه الحركات غير المسبوقة والنظر إلى هذه الاتجاهات الجديدة بدأ يشعر بإحباط شديد، فالنهوض والنظر حوله ورؤية النار كل هذه الحركات الجريئة أجهدت العضلات والعيون التي لم تكن مهيأة لمثل هذه الأشياء غير الطبيعية. وبدأ هذا الفرد يشعر بالغموض لأنه كان لابد أن يكيف بصره وتوازنه مع مستجدات الوقوف ورؤية الضوء. ويستمر سقراط ليؤكد بأن هذا الفرد حاول أن يرفض حالاً كل ما راءه لأنه بنظره غير مألوف، ومن ثم غير حقيقي، وغير طبيعي وغير صحيح. هذا الوضع يجعل الفرد يشعر بالقلق الشديد وقد يدفعه بقوة إلى الهروب من كل تلك الأشياء الجديدة ولكن ماذا يحدث إذا لم يفعل ذلك؟ ماذا يحدث إذا ما صعد الفرد خلال طريق الكهف إلى الخارج؟ هنا سيواجه بصدمات أخرى أشد وسيصبح حينئذ أكثر خوفاً وقلقاً وذلك لان أشعة الشمس ستكون غير محتملة إطلاقاً بالنسبة لمن عاش دائماً في كهف، مما يجعل هذا الفرد فاقداً للأبصار وتائهاً.
ومع ذلك فإن الأشياء تبدأ بالتغير تدريجياً، فالعين ستبدأ في التكيف مع الواقع الجديد وسيبدأ الفرد يرى ليس الشمس فقط وإنما أيضاً الأرض والسماء والعالم. ويبدأ يدرك الآن أن هناك عالماً كاملاً غير حياة الكهف المظلمة، وأن الكهف ليس هو العالم، وأن الحياة المقيدة ليست حقيقة. عندها يعرف السجين السابق كل هذه الأشياء.
ويبدأ هذا الفرد المتنور يشعر بحاجة ملحة لإشراك الآخرين في الكهف في اكتشافه الرائع. ولذا تكمل الحكاية قائلة بأن الفرد يعود ثانية إلى الكهف ويبدأ في إخبار الآخرين بالحياة الأخرى خارج الكهف وبأنهم مقيدون مع أن بإمكانهم النظر إلى الخلف وبأن الوقوف والتحول ممكناً وأن تلك الظلال التي كانوا يرونها دائماً هي مجرد صور تشكلت بواسطة حركات لم يروها في السابق إطلاقا.
ترى كيف ستكون استجابة السجناء لهذه المزاعم؟ في الحكاية يقرر السجناء بأن هذا الفرد مجنوناً وخطيراً وبأن بصره قد حدث له مكروه. وأنه لم يعد يدرك الحقيقة، إذا كان يعتقد بأن النظر إلى الوراء أمراً عادياً. أي أن هذا الفرد يهذي هذه هي ردة فعل سكان الكهف، وإذا ما استمر في محاولة تحريرهم فإن سقراط يبدو واضحاً في الإشارة إلى ما سيحدث عندما قال بأن سكان الكهف سيقتلونه.
أننا جميعاً ربما نكرر رحلة هذا الفرد في قصة أفلاطون عندما نفكر نقدياً حول السياسة، فالتفكير النقدي ليس سهلاً وفي بعض الأحيان يكون مشوشاً ويؤدي في الغالب إلى نتائج مناقضة للوضع القائم في حياتنا الكهفية. فالتفكير النقدي حول أهداف الدولة يمكن أن يؤدي بنا في الاعتقاد بأن قيّم مجتمعنا الراهنة ليست أكثر من مجرد ظلال على الجدران. ولهذا فإن النظرية السياسية قد أتت بأفكار هي في الغالب موضع خلاف ومثيرة للمعارضة القوية في بعض الأحيان. فسقراط نفسه اعتبر خطيراً وحكم عليه بالموت من قبل دولة أثينا. وهذا ما حدث مع معظم المفكرين البارزين فيما بعد الذين طرحوا أسئلة من هذا القبيل، إذ أنه كلما طرح مفكر أسئلة حول المواقف المعيارية للسياسة مرشداً من خلالها إلى طرق للخروج من الكهف كلما أدى ذلك به إلى منطقة الخلاف والصدام مع سكان الكهف

Admin
Admin

المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 05/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tassili.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى