الدولة والسيادة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الدولة والسيادة

مُساهمة من طرف Admin في السبت ديسمبر 06, 2008 11:04 pm

3- الدولة
يتم استخدام مصطلحي الدولة والحكومة في الغالب للإشارة إلى شيء واحد لكن الأكثر دقة هو أن ننظر إلى الدولة على أنها أكثر شمولاً من مؤسسات الحكومة. فالدولة هي النظام السياسي بكامله وبهذا فهي تتضمن السلوك والمواقف السياسية التي تعتبر خارج إطار الحكومة. وضمن حدود جغرافية معينة فإن الدولة تجسد الثقافة السياسية لمواطنيها والتي بدورها يمكن أن تكون نتاج لقوة صناعة القانون التي بأيدي المسئولين في المناصب العامة. ولذلك فإن الوحدة الجغرافية ، والثقافة السياسية والعمليات السياسية التي تشملها الدولة تجعلها أكثر قابلية للاستمرار والبقاء بين أية ترتيبات محددة للبناءات الحكومية. وبهذه النظرة فإن الحكومة يعبر عنها في العادة بأدوات صياغة وتنفيذ السياسة ضمن حدود الدولة.
ومن ثم فإن مصطلح الدولة يعتبر أوسع نطاقاً من مصطلح الحكومة ويشمل كل المناصب التي تصنع قرارات جماعية وتقوم على تنفيذها للمجتمع بكامله. ووفقاً لهذا المصطلح فإن الوزراء، القضاة والشرعيين، والبيروقراطيين وجنرالات الجيش والشرطة يشكلون جميعاً جزءاً من شبكة واحدة من المناصب العامة وتعرف تلك الشبكة بمصطلح الدولة. ومع أن مصطلح الدولة يشير إلى فكرة مجردة لكنه مصطلح قوي جداً ، فالدولة يمكن أن تكون مصدراً للنفع أو مصدر للتهديد. فمع أن الدولة تعبر عن فكرة مجردة إلا أنه باسم الدولة يسجن أناس ويصبح آخرون أغنياء عن طريق عقود التسليح ويقتل آخرون في الحروب دفاعاً عنها (Edelman, 1964,P.1).
أننا نعيش اليوم في عالم الدول، فمعظم سطح الأرض مقسم في الوقت الحاضر بين دول يدعى كل منها الحق وحدها في حكم إقليمها الخاص بها. وفي الحقيقة فإن كل الدول تتأثر بالطبع بالتطورات التي تحدث خارج حدودها فكل دولة تتاجر أو تتورط في حروب كما أن الأفكار لا تعترف بالحدود. ومن ثم فليس هناك ما يمكن أن يسمى بدولة منعزلة عن العالم الخارجي. ومع ذلك فإن أي دولة مهما كانت صغيرة وضعيفة لا تزال ، من الناحية النظرية، تتمتع بالسيادة على إقليمها. ومن ثم فماذا نعني بالدولة على وجه التحديد؟
تشير الدولة إلى مؤسسات صنع القرار السلطوي لمجتمع بكامله، بحيث تصبح كل الجماعات والمؤسسات والأفراد فيها خاضعة لها من الناحية القانونية. بمعنى آخر أن لها المكانة الأعلى قانونياً وأن سلطتها إجبارية. والدولة كما يقول دال (1984) هي المنظم الأساسي للاستخدام الشرعي للقوة ضمن الأقاليم.
وهذا لا يعني أن الدولة هي المؤسسة الوحيدة في المجتمع التي تستخدم القوة. فهناك بالطبع العنف الإجرامي، والعنف الرياضي والعنف الأسري، كما أن هذا التعريف لا يعني أن القوة هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على وجود الدولة. فالعنف يمثل مصدراً غير مستقر للسلطة والقوة على الأقل على الأمد الطويل. ولذلك فإن هذا التعريف يعني ضمناً أن الدولة يجب عليها أن تدعم وبنجاح ادعاءها بتنظيم اللجوء إلى القوة. فهناك قلة من الناس يمكن أن يزعموا بأن من حق المجرمين إطلاق النار على رجال الشرطة إلا أن معظم الناس يتفقون على أن هناك ظروفاً تبرر إقدام رجال الشرطة على إطلاق النار على المجرمين – على سبيل المثال في حالة التعامل مع السارقين المسلحين أو الخاطفين والارهابيين.
وعندما يصبح احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة مهدداً فإن استمرار تواجدها يصبح معرضاً للخطر. فالحروب الأهلية على سبيل المثال تعتبر في حقيقتها خلافاً حول من ينبغي أن يحكم الدولة في إقليم معين. وعندما يستمر ذلك الخلاف لا يصبح هناك سلطة شرعية وربما تختفي الدولة ذاتها.

*الدولة القومية
يعتبر مفهوم الدولة القومية ذا أصول أوروبية حيث تمت المصادقة رسمياً على نظام الدولة القومية في معاهدة السلام في وستفاليا 1648م التي رسخت السلام بين الفرقاء الأوروبيين بعد حرب الثلاثين عاماً .ومنذ ذلك الوقت تم تقسيم معظم أرجاء الكرة الأرضية إلى دول قومية بحدود جغرافية محددة .
إلا أن المشاكل تبرز عندما تحتوي حدود الدولة قوميات مختلفة. بل و أن كثيراً من تلك الحدود وخاصة في العالم غير الأوروبي قد رسمت بطريقة عشوائية من خلال قوى الاحتلال الأوروبية كما هو الحال في معظم أنحاء إفريقيا وكثير من أصقاع آسيا وأمريكا اللاتينية . وفي مثل هذه الحالة يمكن أن يتسبب افتقاد التجانس القومي في إثارة مشاكل سياسية خطيرة. وفي العصر الحاضر شهد العالم تفكك دول كانت تعتبر مستقرة نسبياً وصناعية كالاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا إلى دول قومية اصغر حجماً وأكثر تجانساًً. ويشير هذين المثالين إلى هشاشة الدول التي تحاول ضم قوميات عديدة ومختلفة. وبدورها شجعت مؤسسة الدولة القومية نمو فكرة القومية ، التي يمكن تعريفها على أنها الشعور العاطفي بأولوية الولاء للوطن من قبل المواطنين.
ومع أن الماركسية تؤكد على أن الولاء الرئيس للعمال ينبغي أن يكون لطبقتهم الاجتماعية إلا أن الأحزاب الماركسية وجدت بشكل مستمر أن العمال قد استبدلوا الولاء الطبقي بالوطنية القومية عندما تتعرض بلدانهم للتهديد. ويمكن للحماس القومي أن يمّكن الحكومة من العمل بكفاءة أكثر لكنه أيضا يمكن أن يتسبب في تشجيع الحكومات كي تسلك نهجاً أكثر عدوانية ويجعلها اقل تقبلاً لإيجاد حلول لخلافاتها مع الدول الأخرى.
ويمكن تصنيف الدول إلى ديمقراطية، استبدادية وشمولية. وهناك تنوعات في كل من تلك الأصناف، إلا أن النماذج الثلاث تلك توفر إطارا أساسيا للأغراض التنظيرية ،ويمكن التمييز بين كل من الأصناف الثلاثة من خلال مدى السماح بالممارسة السياسية الحرة لمواطنيها.

4يشعر ال- السيادة
للدولة وجهان يكون الجانب القاسي منها مختفياً عن الأنظار وهو يمثل الرغبة في استخدام القوة لتنفيذ رغباتها. أما الجانب اللين، الذي لا يقل أهمية، فيستند على قدرة الدولة على إقناع مواطنيها بالطبيعة القانونية والشرعية لسلطتها. وترتبط فكرة السيادة بوجه الدولة اللين، فالسيادة تشير إلى مصدر السلطة في المجتمع حيث أن المفهوم يعتبر قانونياً بدلاً من أين يكون فعلياً.
والسيادة تكون للهيئة التي تتمتع بحق صناعة القوانين للبلاد ففي بريطانيا على سبيل المثال تتمثل هذه الهيئة في البرلمان. وتعتبر بريطانيا مثالاً للسيادة الواضحة والمركزة حيث بإمكان البرلمان إصدار أية قوانين دون أن يقيد البرلمانات التي تعقبه، ولا يستطيع القضاة إبطال تشريعاته كما أنه ليس هناك هيئة أخرى تستطيع إصدار قوانين تطبق في تلك البلاد، باستثناء المجموعة الأوروبية التي تعتبر تشريعاتها ملزمة بشكل مباشر لبريطانيا كما هو الحال مع الدول الأعضاء الأخرى في المجموعة حتى لو لم يتم الموافقة على تلك التشريعات من قبل البرلمانات الوطنية.
ومع أن الهيئة المخولة إصدار القانون تمتلك سيادة داخلية – أي الحق في صنع قوانين ملزمة ضمن حدود الدولة. إلا أن للسيادة بعداً خارجياً أيضاً. والسيادة الخارجية تشير هنا إلى اعتراف القانون الدولي بأن للدولة سلطاناً قضائياً على الإقليم. وهذا يعني أن الدولة مسئولة عن ذلك السلطان القضائي في القانون الدولي. وتعتبر السيادة الخارجية موضوعاً مهماً لأن جميع الدول تدعي الحق في تنظيم العلاقات بين بلادها وبقية العالم. وفي الحقيقة فإن السيادة الخارجية تزداد أهمية بعدما أصبح العالم أكثر اعتماداً على بعضه البعض. ومن ثم فإن ادعاء السيادة يعني وضع إشارة تحذير للدول الأخرى تطالبها بالابتعاد، ومع أنه ليس هناك في الواقع دولة واحدة تستطيع أن تفرض سيطرتها الكاملة على الأحداث ضمن حدودها إلا أن ذلك لا يعني إلغاء لحق الدولة في السيادة.
وتؤكد النظرية التقليدية للسيادة على الحاجة لوجود هيئة سيادية واحدة ضمن إقليم معين. وفي هذا السياق لاحظ وليام بلاكستون في تعليقاته على قوانين بريطانيا أن "لابد أن يكون في كل دولة سلطة سامية مطلقة لا يمكن مقاومتها أو السيطرة عليها وهي التي لها الحق في السيادة، وهنا يلخص بلاكستون تفسيراً للسيادة كان قد قدمه أولاً الفيلسوف الفرنسي جان بودين الذي عرف السيادة على أنها السلطة غير المقيدة أو غير المقسمة لصناعة القوانين. وقد كان هدف بودين يتمثل في الحفاظ على امتيازات الملكية الفرنسية حيث عزز عمله هذا التطورات اللاحقة للملكية المطلقة في فرنسا.
أما في عالم اليوم الأكثر ديموقراطية واعتمادية فإن التعرف على موقع السيادة لا يعتبر سهلاً كما كانت تفترض ذلك النظرية التقليدية. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تتوزع السيادة بين الكونجرس والرئيس والمحكمة العليا والولايات الخمسين المكونة للاتحاد. ولدى الولايات المتحدة حكومة دستورية أكثر مما هو الحال في بريطانيا إلا أن لديها نظاماً يشتت السلطة بدلاً من تركيزها، ومن ثم فإن الولايات المتحدة تمثل حالة للسيادة بدون سيد.
وحتى في البلدان ذات الحكومة البرلمانية يمكننا الزعم بأن الشعب يجب على الأقل أن يتقاسم السيادة مع البرلمان نظراً لأن سلطة البرلمان تنبع جزئياً من دوره التمثيلي، ومن ثم فإن تحديد موقع السيادة في الواقع ليس بنفس السهولة التي تقول بها فكرة سمو البرلمان.
كما يؤدي الاعتماد المتبادل بين الدول إلى جعل موضوع السيادة أكثر غموضاً حيث أن المجال المتنامي للالتزامات الدولية للدولة القومية يقلص مجال المناورة المتاح للحكومات. كذلك فإن ظهور العوامل فوق القومية مثل الاتحاد الأوروبي الذي لديه القدرة على تجاوز البرلمانات القومية في بعض الموضوعات يهدد أيضاً الأفكار التقليدية للسيادة. وتعمل هذه التغيرات تدريجياً على أضعاف فكرة السيادة مع تنامي الفجوة بين خيالية السيادة ذات المصدر الوحيد وحقيقة الاعتماد المتبادل، مما يعني أن أفكار بودين وبلاكستون قد عفى عليها الزمن

Admin
Admin

المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 05/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tassili.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى