علمية علم السياسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

علمية علم السياسة

مُساهمة من طرف Admin في السبت ديسمبر 06, 2008 11:24 pm

علمية علم السياسة
ما العلم؟
من الواضح أننا نعيش اليوم في عصر العلم لكن برغم تغلغل العلم في كل شئون حياتنا والاحترام الواسع الذي يلقاه إلا أن هناك درجة غريبة من سوء الفهم حول ما يعنيه مصطلح العلم بالتحديد. فالعلم مرتبط في الأذهان بالعاملين في المختبرات ذوي المعاطف البيضاء ،وبالأجهزة المختبرية المعقدة، وبالنماذج الرياضية الدقيقة ومع ذلك فإن المصطلح لم يعط في الواقع تعريفا واضحا يستطيع من خلاله الواحد منا تمييز ما هو علمي وما هو غير ذلك. فبرغم أن لدينا حدسا مبدئيا عن ماهية العلم إلا أن تعريفه الدقيق يضللنا. وهناك بشكل عام طريقتان مختلفتان لتعريف العلم.
الأولى والأوسع استخداما للمصطلح تعرّف العلم على أنه "أي ترتيب نظامي للمعرفة المكتسبة والذي يشمل الدراسة المعمقة لموضوع ما ثم وضع ما تم تعلمه وفق نوع من الترتيب العقلاني. حيث يتم تصنيف المعرفة المكتسبة أو ربطها بأجزائها المختلفة من خلال برنامج عقلي مدروس. ويعتبر العلم من هذا المنظور سمة لكل الحقول الأكاديمية ومن بينها الفلسفة والعلوم الاجتماعية والرياضيات، فضلا عن كل محاولات وضع المعرفة الإنسانية في ترتيب نظامي.
أما الطريقة الثانية فهي التي تعّرف العلم من خلال ربطه بالمنهجية العلمية أو التجريبية. وتكاد تنحصر المنهجية العلمية في استخدام المعلومات التجريبية بهدف بناء نظريات قادرة على التفسير والتنبؤ.
ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض مصطلحاته بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية. فالمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها بواحدة أو أكثر من حواسنا الخمس. ومن ثم يمكن التأكد من صحتها من قبل إي شخص. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد على المعلومات التجريبية فقط يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن والقبيح فضلا عن الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها دون التمكن من إعادة التأكد منها.
ويجب النظر إلى هذا التعريف وبعض المصطلحات فيه بعناية فائقة حتى نفهم ما هي المنهجية العلمية. أحد هذه المصطلحات هو المعلومات التجريبية .والمعلومة التجريبية هي حقيقة محددة بدقة ويمكن ملاحظتها باستخدام واحدة أو أكثر من حواسنا الخمس و بالتالي يمكن التأكد منها من قبل أي فرد . ويبغي الإشارة هنا إلى أن الاعتماد فقط على المعلومات التجريبية يعني استثناء كل القيم والأحكام الأخلاقية حول الصواب والخطأ والحسن و القبيح فضلا عن الاستنتاجات التي نتوصل إليها لكن لا يمكن التحقق من صحتها. ولا تقتصر المنهجية العلمية على جمع الحقائق التجريبية لكنها تحاول استخدامها في صياغة نظريات للتفسير والتنبؤ من خلال خمس خطوات أساسية
1- تجميع الحقائق التجريبية حول موضوع معين.
2- دراسة هذه الحقائق بهدف اكتشاف أنماط الاختلاف والتشابه وهو ما يعرف بالتعميم
3- صياغة الفرضيات التي تفسر لماذا تعتبر التعميم الملاحظ صحيحا
4- اختبار الفرضية من خلال ملاحظاتها مرات عدة تحت ظروف مختلفة. والفرضية المتحقق منها تعتبر نظرية.
5- استخدام النظرية للتوقع أو التنبؤ مع التحقق من صحة التنبؤات من خلال ملاحظة العالم الحقيقي ومن ثم إجراء التعديلات المطلوبة عند الحاجة.

ما مدى علمية علم السياسة ؟
هناك شبه إجماع بين علماء السياسة على أن علم السياسة يعتبر علما من المنظور الأول لأنه يحاول أن ينظم معرفتنا بالعالم السياسي ويضع هذه المعرفة في ترتيب عقلاني. فحقائق علم السياسة توضع بشكل منظم وليست مجرد تجميع عشوائي لأجزاء المعرفة.
ومع ذلك فليس هناك نفس درجة الإجماع حول ماذا كان علم السياسة هو علم من منظور المنهجية العلمية أو حتى ماذا كان ينبغي محاولة تطبيق تلك الطريقة عليه. وهناك على وجه التحديد أربع من المشاكل العملية التي تواجه محاولات تطبيق المنهجية العلمية لدراسة المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني هي:
1- استحالة الفصل التام بين شخصية وقيم عالِم السياسة وموضوع الدراسة وذلك لأنه يدرس مؤسسات إنسانية تؤثر عليه شخصيا أو سلوك إنساني يكون هو جزء منه. فعالم الفلك مثلا الذي يحاول تحديد المسافة بين كوكبين في النظام الشمسي لا تتأثر نتائجه بمصالحه الشخصية بعكس اليهودي الأمريكي الذي يحاول تحليل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
2- استحالة إخضاع الظاهرة السياسية للتجربة المعملية. لا يستطيع عالم السياسة أن يسيطر على كل المتغيرات المؤثرة على المشكلة المدروسة بنفس الطريقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا.
3- مشكلة القياس في العلوم الاجتماعية. ففي العلوم الطبيعية هناك مقاييس واضحة ومحددة للمسافة والوزن والكتلة والزمن وغيرها تمكن من التوصل إلى وصف دقيق للبيئة الطبيعية، أما العلوم الاجتماعية فلا يقتصر اهتمامها على المسائل المادية المتعلقة بالمسافة والزمن والوزن و إنما كذلك بما يمكن أن يطلق عليها الأبعاد العقلية والروحية والنفسية للوجود الإنساني, وهذه الأبعاد لا يمكن قياسها بنفس الدقة والبساطة المتوفرة في العلوم الطبيعية.
4- وحتى عندما لا تمثل المقاييس مشكلة وحتى عندما تكون كل المتغيرات تحت السيطرة يبقى هناك في الغالب عدد كبير من المتغيرات يستحيل قياسها أو أخذها في الاعتبار . باختصار هناك عدد لا نهائي من المتغيرات المؤثرة على موضوع الدراسة مما يستحيل على الباحث أن يحدد ويقيس كل تلك المتغيرات.
ونتيجة لهذه المشاكل العملية الأربع هناك من تساءل عن قدرة علم السياسة على اكتشاف تعميمات وتطوير نظريات لها قدرة تفسيرية و تنبؤية فبعد كل شيء يزعم هؤلاء أليس كل إنسان وكل تصرف إنساني يعتبر فريدا من نوعه؟ فكيف يمكن إذا التوصل إلي أي نوع من التعميم أو النظريات ؟ إلا أنه وبرغم هذه المشاكل فإن عالم السياسة لا زال بإمكانه أن يقوم بدراسة علمية مجدية وأن يستفيد من المنهجية العلمية , إذا كان متيقظا وحذرا من أن تؤثر قيمه و تفضيلاته على موضوع الدراسة. كذلك مع أن عالم السياسة لا يستطيع في الغالب أن يقيس أو يتحكم في المتغيرات بنفس الدقة التي يقوم بها عالم الكيمياء مثلا إلا أنه يستطيع أن يتحكم ويقيس بدقة كثير من المتغيرات الهامة في دراسته.
والخلاصة أن علم السياسة يعتبر علما عند الأخذ بالمنظور العقلاني المرتب لدراسة الظاهرة السياسية كما يعتبر علم السياسة و إلي حد ما علم بمعنى المنهجية العلمية .

فروع علم السياسة الحديث
هناك اليوم عدة فروع أو حقول ضمن علم السياسة الحديث، أهم تلك الفروع هي النظرية السياسية والفلسفة السياسية، والحكومات، والسياسية المقارنة، والإدارة العامة والسياسة العامة، والعلاقات الدولية، والمنهجية وطرق البحث.
1 – النظرية السياسية والفلسفة السياسية وهما مصطلحان يستخدمان غالباً بشكل متبادل. ويهتم العلماء في هذا النوع بالأسئلة المتعلقة بالأحكام القيّميه وتاريخ وتطور الأفكار لكبار المفكرين السياسيين. وأحياناً يطلق على الفلسفة السياسية نظرية القيمة أو النظرية المعيارية (لتمييزها عن النظرية العلمية/ التجريبية) وذلك لأنها تهتم أساساً بالقيم، والمعايير، والمبادئ الأخلاقية (الفضيلة). وتحاول هذه النظرية أن تفحص العلاقات بين الحقائق والقيم، والآراء، وتعتبر النظرية جزءاً مهماً من علم السياسة لأنها تستخدم في شرح الظاهرة السياسية والتنبؤ بها. كذلك يهتم الفلاسفة السياسيون بالابستمولوجيا – أي أصل وطبيعة وحدود المعرفة.
2 – الحكومات يشكل موضوع الحكومات فرعاً كاملاً في علم السياسة وفي هذا الحقل يدرس العلماء بناءات ووظائف الحكومات في مستوياتها المختلفة وعادة ما يكون ذلك ضمن إطار بلد واحد، فضلاً عن دراسة المؤسسات مثل مؤسسة الرئاسة أو رئاسة الوزراء. ويهتم المختصون في هذا الحقل كذلك بتحليل السلوك السياسي لمجال واسع من المشاركين في العملية السياسية.
3 – السياسة المقارنة وهو فرع واسع جداً يحتوي ضمنه فروعاً تابعة، ويهتم هذا الفرع وإلى حد كبير بدراسة السياسة الكلية Macro-politics للدول. أما اهتمامه الرئيس فيتعلق بمقارنة سياسة وحكومة دول مختلفة. وتحت لواء هذا الفرع ينضوي عدد من المتخصصين في المناطق المختلفة الذين يركزون على مناطق محددة مثل الشرق الأوسط، الدول النامية، أمريكا الشمالية وغيرها، بالإضافة إلى أولئك الذين يضعون دراساتهم في إطار الممارسات والبناءات السياسية المتنوعة للعالم ككل. وللدراسات المقارنة أهمية كبيرة في علم السياسة فمن خلال المقارنة فقط نتستطيع أن نفهم ونقّيم مزايا أو مشاكل نظام سياسي معين. كذلك تعتبر المقارنة جزءاً مكملاً لكل الأبحاث التجريبية العلمية.
4 – الإدارة العامة والسياسة العامة يهتم كلا الحقلان بدراسة الجوانب الإدارية للحكومة. فالسياسة العامة تركز على تحليل وتقويم السياسات في مجالات مثل الدفاع، الصحة، التعليم وتنمية الموارد، أما الإدارة العامة فتهتم أكثر بكيفية صياغة تلك السياسات وتنفيذها ضمن البناء البيروقراطي الضخم للحكومة.
5- العلاقات الدولية يركز حقل العلاقات الدولية على السياسة الخارجية للدول والمنظمات الدولية والقانون الدولي لفهم طبيعة التفاعل بين الدول والعوامل الأخرى في المجتمع الدولي. ويهتم العلماء في هذا الحقل بشكل خاص بموضوعات من مثل التحكم في النزاعات بين الدول. كما أن هناك تأكيداً على أهمية الاقتصاد في مدرسة الاقتصاد السياسي الدولي الذي يعتبر جزءاً من هذا الفرع.
6- المنهجية تهتم المنهجية في علم السياسة بالنظرية التجريبية أو العلمية، حيث يطور المختصون في هذا الفرع إقترابات وتقنيات لاستخدامها في كل جوانب علم السياسة، وهم مهتمون على وجه الخصوص بدراسة السياسة بصرامة ودقة شبيهة بما يحدث في العلوم الطبيعية. ويميل المنهجيون إلى العمل في مجالات التحليل الإحصائي، تقنيات استطلاعات الرأي ، وعلم الكمبيوتر، أو دراسة المعرفة epistemology (كيف نعرف ما نعرفه) وفلسفة العلم (الافتراضات والمبادئ الأساسية للعلم).


خلاصـــــــة :
لقد اتسع نطاق اهتمام علم السياسة بشكل كبير منذ أن أعترف به رسمياً كحقل أكاديمي في بداية القرن العشرين، وكثير من الأبحاث اليوم تنفذ لكي تكون وثيقة الصلة بالمشاكل الداخلية والدولية الحالية. وهذا الاتجاه ملحوظ بشكل جلي في فرع السياسة العامة الحديث نسبياً الذي يركز على شرح فعل الحكومة داخلياً ودولياً.
وكما هو الحال مع الانقسام العام للمعرفة إلى ثلاثة فئات : علوم طبيعية، علوم اجتماعية، وعلوم إنسانية فإنه من المؤكد أن هذه الفروع في علم السياسة هي تصنيفات مصطنعة، فهناك تداخل كبير في الاهتمامات بينها. فموضوعات مثل السلوك، الأحزاب، أو العنف والثورات تدرس من قبل متخصصين في عدد من تلك الفروع المختلفة وكل يقدم خبرته من منظور مختلف كما يفترض افتراضات فريدة ويستخدم اقترابات مختلفة.

Admin
Admin

المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 05/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://tassili.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى